وهبة الزحيلي
264
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والاقتداء بشريعته ، وتعملوا بما أنزل إليكم من ربكم ، يعني القرآن العظيم ، الذي أكمل اللّه به الدين وختم برسالة محمد رسالات الأنبياء . ثم كرر تعالى ما ذكر في الآية السابقة ( 64 ) : وهو القسم من اللّه تعالى بأن كثيرا من أهل الكتاب لا يزيدهم القرآن إلا غلوا في تكذيبهم وكفرا على كفرهم ، لتعصبهم الموروث وحقدهم وحسدهم حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [ البقرة 2 / 109 ] ، وإهمالهم التفكير بإنصاف وتجرد ، فلا تأس على القوم الكافرين ، أي لا تحزن يا محمد ولا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم ، فإن ضرر ذلك راجع إليهم ، لا إليك ، وفي المؤمنين غنى عنهم . أما القليل منهم الذين آمنوا باللّه وحده لا شريك له وبكتبه ورسله ، فلا يزيدهم القرآن إلا هدى ورشادا وإسعادا . وبعد الكشف عن تلك الحقيقة المهمة وضع القرآن قانونا عاما لكل الناس ، وهو : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا . . . أي إن الذين صدقوا باللّه ورسوله وهم المسلمون ، واليهود حملة التوراة أتباع موسى عليه السلام ، والصابئون « 1 » كذلك الخارجون عن الأديان كلها « 2 » والنصارى أتباع المسيح عليه السلام ، من آمن منهم « 3 » باللّه ورسله واليوم الآخر إيمانا صحيحا صادقا ، وعمل عملا صالحا ، فلا خوف عليهم أبدا من عذاب يوم القيامة ، ولا هم يحزنون أبدا على لذات الدنيا ونعيمها ولا على شيء يصيبهم في الآخرة ، بل هم في جنات النعيم . فقه الحياة أو الأحكام : دلت آية التبليغ على رد قول من قال : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كتم شيئا من أمر الدين تقيّة ، وعلى بطلان هذا القول من الرافضة . ودلت أيضا على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم
--> ( 1 ) مبتدأ وخبره محذوف . ( 2 ) ولم يعطف على ما قبله بالنصب ؛ لأن الصابئين أشد الفرق المذكورين في الآية ضلالا . ( 3 ) بدل منصوب من اسم إن وما عطف عليه .